أضعف حلقة في السلسلة

تسارع تنظيم قطاع الضمان في لبنان خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026. غير أن السرعة ليست واحدة عند كل حلقة. فالموجبات الملقاة على الوسيط لها تاريخ ومبلغ ومهلة أخيرة، أما إصلاح الرأسمال الملقى على الشركة فلا يزال ملف مناقصة.
في هذا العدد أربعة أخبار من لبنان. وهي تصدر جميعاً عن اللجنة نفسها وضمن السنة نفسها. وإذا وُضعت جنباً إلى جنب قالت شيئاً واحداً: التنظيم يتقدّم، لكن بسرعات مختلفة عند حلقات السلسلة المختلفة.
لنستعرض التسلسل. ففي كانون الثاني فُتحت مناقصة للدعم الفني في تحديد الحد الأدنى للرأسمال، وفي شباط صدرت الشروط المرجعية، وفي آذار مُدّدت مهلة تقديم العروض. أي أن الفصل الأول من السنة لم يمضِ في إصلاح الرأسمال نفسه بل في اختيار الاستشاري الذي سيُعدّه. وما بين أيدينا اليوم ليس مبلغ رأسمال بل منهجية عمل.
أما على جانب الوسيط فالصورة مختلفة. ففي شباط صدر تعميم الالتزام بالتعرفة: لا يجوز للوسيط أن يُضيف إلى التعرفة الرسمية أو يُعدّلها، وإلا طُبّقت العقوبات القصوى. وفي تموز أُعيد تحديد الكفالة المصرفية ونُشرت في الجريدة الرسمية؛ وتدرّجت المبالغ بحسب عدد المندوبين، ومُنح الوسطاء القائمون مهلة حتى 31 كانون الأول 2026 للتقيّد. وفي ما بين ذلك، في شباط وآذار، نُشرت في لوائح أسماء الوسطاء الذين لم يستوفوا شروط تجديد الترخيص.
ثلاثة إجراءات، وثلاثة أشهر، ومخاطَب واحد. فأمام الوسيط مبلغ محدّد وتاريخ محدّد ولائحة علنية قد يرد فيها اسمه. وأمام الشركة دفتر شروط فني.
وليس من الضروري أن يُقرأ هذا نقداً. فإعادة تحديد عتبة الرأسمال لا تتم بكتابة رقم؛ وطلبُ دراسة أثر كمّي، وتمديدُ المناقصة، وفتحُ العروض أصولاً، كلها دلائل جدّية. أما رفع كفالة الوسيط فممكن بقرار واحد. فأحدهما بطيء بطبيعته والآخر سريع.
لكن ذلك لا يغيّر النتيجة. فالوجه الظاهر للرقابة طوال 2026 كان الوسيط. فهو الطرف الذي يحتك بالسوق، والذي قد يرد اسمه في لائحة علنية، والذي عليه أن يجدّد كفالته. أما على جانب الشركة فلم ينشأ بعد موجب موجّه إلى العموم.
وفي هذا خطر. فكلما تأخّر جانب الرأسمال بقي التشدّد على جانب الوسيط وحيداً. وإذا خضع بائع الوثيقة للرقابة من دون أن تُعالَج ملاءة الشركة الحاملة لها ضمن الرزنامة نفسها، بقيت الحماية التي تصل إلى المضمون ناقصة. فكفالة الوسيط تضمن حقاً ناشئاً عن الوساطة؛ أما الذي يدفع التعويض فهي الشركة.
والمسألة الثانية هي الرزنامة. فتاريخ 31 كانون الأول 2026 الممنوح للوسطاء القائمين سيُحدث فرزاً في السوق في نهاية هذه السنة. وكفالة ترتفع عشرة آلاف دولار سنوياً حتى خمسين ألفاً عبء يضغط على الوسيط الصغير. والقيود الأربعة بعد المئة الواردة في لائحتي شباط وآذار تدل على أن ثمة وسطاء عجزوا عن استيفاء شروط التجديد قبل أن تدخل الكفالة حيّز التنفيذ أصلاً. وستكون الصورة أوضح في نهاية السنة.
ولا يعني ذلك أن الدمج شرّ بحد ذاته. فتراجع عدد الوسطاء في مصلحة المضمون إذا كان يعني أن الباقين أمتن. شرط أن يفصل الفرزُ بين من يُحسن عمله ومن لا يُحسنه، لا بين من يستطيع دفع الكفالة ومن لا يستطيع.
وثالثاً، الرسالة الصامتة في تعميم التعرفة. فإذا رأت اللجنة حاجة إلى تذكير الوسطاء بأنهم لا يستطيعون الإضافة إلى التعرفة الرسمية، فهي تعلم أن العكس يحصل في الميدان. وبعض النصوص التي يستند إليها التعميم تعود إلى 1968 و1977 و1978. أي أن القاعدة ليست جديدة؛ الجديد هو التذكير.
والصورة التي تخرج من ذلك هي الآتية: عاد تنظيم الضمان في لبنان ليكون موضع نقاش في 2026، ووجّه كلمته الأولى إلى الوسيط. والدور الآن على عتبة الرأسمال. فمسار المناقصة الذي بدأ في كانون الثاني بلغ فتح العروض في منتصف آذار. وما بعد ذلك يتوقف على موعد نفاذ الرقم الذي ستُفضي إليه تلك الدراسة، وعلى المهلة الانتقالية التي سيُمنح بها.
السلسلة لا تحمل إلا بقدر أضعف حلقاتها. لكن تمتين أضعف حلقة لا يصلح سبباً لتأجيل قياس سائر الحلقات.






